أعلان الهيدر


الأربعاء، 13 يونيو 2018

الرئيسية هكذا يموت علماء بلدي ...

هكذا يموت علماء بلدي ...



إيناس خلفاوي



   هو ليس رجلا سيئا، وإنما هو خريج من طلاب جامعاتنا الذين لم يحالفهم الحظ في المسابقات وظلوا -بعد دراستهم- يعملون عمل البسطاء، هو إذا صحاب طاولة خضر على رصيف شوارع هذا البلد، حسن الخلق واللسان، جميل الطباع، هذا هو عمي محمد ..أب لولدين وبنت ، يقطن في منزل قرب السكنات الاجتماعية ،كان منزلا بسيطا من البيوت القصديرية الفوضية التي يبنيها بعض أبناء شعبنا الكريم، الذين يرمون في الشوارع، كان يأتي في المساء منهكا وحزينا، لا ترسم بسمته إلا حين يستقبله أولاده عند الباب،كانوا أسرة جميلة بيتهم بسيط وثيابهم أبسط ولكن حياتهم ملؤها القناعة والسعادة، ففي بعض الأحيان لا تستحق السعادة منا ماديات أبدا ..

   يوما مرض عمي محد مرضا خبيثا وخطيرا، سبحان من ابتلاه وفيه من البلاء ما كفاه، ولكن الله يعلم ما كنا نجهل، ظل طريح الفراش بين يدي أبنائه وزوجه يذوق طعم الموت في اليوم مرات ومرات ويغدوالصبح حيا ، لا علاج ولا أموال من أجل الدواء ...ظل مرميا مهمشا منسيا، لا أحد يسأل عنه ولا أحد يبالي، حتى ذات يوم وافه أجله، ومات المسكين، محمد ذلك التلميذ النجيب عاشق العلم والوطن، مات ذلك المواطن الصالح، رغم الفقر والحرمان، كان بطلا في سبيل العيش بكرامة ..ويا أبتاه من ذا سوف ينعاه ،لا صاحب مال ولا جاه ، مات ولم يكد يجد من يدفنه المسكين ...وما حيرتي عليه وهو بين يدي الرحمان، بين يدي من لا تضيع ودائعه من سوف يبدل له دارا خيرا من داره، وزادا خيرا من زاده ..ربما انتهت معاناته ولكن يااا حيرتي على تلك العائلة التي بعده ..

    لم يبق فيها غير ولدان وبنت وامرأة ظلت تكافح الحياة بعد موت زوجها ..

   ظلت تعمل في البيوت، تتسول أحيانا من أجل لقمة الحياة ,في بلدي ..هذا لا زال من هناك يرى رغيف الخبز طموحا شامخا .. مرت سنوات وأتت السلطات وهدمت تلك المنازل القصديرية الفوضوية وبدأت مأساة حقيقية من جديد، الآن سكنوا الشارع، افترشوا الأرض والتحفوا السماء ..هذه حياة البؤساء ..الولد الأكبر لم تستقم له حال من الأحوال، وكرهت رجولته أن يرى أمه وأخته في الشوارع تتسولان وهو الذي لم يجد ما يفعله، كان يحس أنه مسجون رغم حريته، معاق رغم سلامته ولم يفكر إلا بالهرب وبأوروبا .جمع القليل من الأموال وهو يدرك أن أوروبا ليست جنة ولا هناءً ولكنه أراد الهرب وكفى،هرب ذلك البائس المسجون اليتيم المسكين، لم تجد الأم مخرجا وكل عماد الأسرة قد رحل، ولم يبق لها غير صغير بين ذراعيها وفتاة تمسك بيدها لا حول لهم ولا قوة ..ظلوا من شارع لآخر..حتى الذئاب البشرية لم تكن ترحمهم، هناك من يحتقرهم بنظراته وآخر بلسانه ليس سهلا أن تسكن الشارع، مالم تكن ذئبا إذا لم يصطد  يصطادوه.

    وذات يوم من الأيام، ذهبت الأم إلى منزل تعمل فيه وتركت أبنتها مع الولد الصغير في الشارع فأتى ذئب صفاح كان يتربص منذ زمن بعيد،همس في أذن الفتاة وأغواها ببعض المال إن ذهبت معه، لم تدرك ما كانت تقوم به الطمع أعمى بصرها وبصيرتها، كانت تحب أن تلبس من الجميع، أن تأكل كغيرها

    كانت تحب أن تحس بالحياة ولو قليلا، ولكن من كتب له الشقاء يحيا فيه وسيموت عليه وهذا حالها بل حالهم جميعا.


   أخذها السفاح لمكان مهجور وانتفض عليها كالوحش الواثب لا رحمة ولا شفقة لم تكن تدري ماذا تفعل ، كانت حملا غريرا وسط الذئاب المفترسة، فعل فعلته المكار وأخذها لمنزل لمرأة تبيع العاهرات وتساومهن للرجال، وأصبحت ابنة عمي محمد عاهرة منهم ،،والله  إنه لا يستحق هذا الجحيم بحق علمه ودينه وصبره ورجولته ..لا أدري حقا هل هو ضحية لسوء الأقدار أم ضحية لسوء التسيير في هذا البلد ..صدمت الزوجة المسكينة ولم تدرِ مخرجا لوضعها المحرج ..سلمت أمرها لله وحسب..


    ظلت شريدة الذهن والحال، وفي ذمتها صغير لا يدرك من الأمور شيئا ولا يبالي،ضاقت بها الأيام والليالي ،وصار الحزن شريكها الثاني ..ذات يوم بينما هي نائمة على الرصيف منهكة التعب، غفتها غفوة جميلة ماكادت أن تستفيق حتى برجل سكران يتهجم عليها بكل وحشية وبدأت تتصارع معه حتى ضربها في عنقها ضربة أودت بحياتها وعمرها للأبد، ضربة أنهت أوجاعها وكل مأساتها للأبد، ورحلت الزوج الوفية والمرأة الحقة وعنوان الصبر والكفاح .


    من سيدافع عن حقوقها بل سيدفنها تلك المرأة لم تجد حتى من يدفنها ظل صغير ينام على جسدها المتعفن سنوات طوال اعتقادا منه أن أمه نائمة.

   مرت الليالي والسنون الطوال حتى بلغ الطفل سن العاشرة تماما لا يدرس ولا يلبس ولا يلعب، فقط كان يهوم في الشارع ويسرق ليأكل ويتنعم كان ليس سلسا كغيره من إخوته كان ابن الشارع بامتياز فما كاد يبلغ ويعي مصلحته حتى أكن لدولة حقدا وكرها لا يطاق.

    ظل يسرق ويسرق حتى كون ثروة لبأس بها ولم يفكر إلا بالشر وحسب، أسس تنظيما إرهابيا خطيرا جدا جدا، صار مصدر رعب للدولة حقا ..كان يتربص المسؤولين ويقتلهم، تنظيم كامل حتى قيادته وكم كان هذا خطيرا جدا..

    وذات يوم وصله برقية من الدولة تعده فيها إن هو سلم نفسه أمنته ومنحته عملا ومسكنا ..،فكر طويلا ثم سلم نفسه وأمنته الدولة وأصبح عاملا ثم كاتبا مشهورا ..،كتب ذات يوم عن نفسه ،(لو لم أكن ارهابيا ،ما كنت سأحيا في هذا الوطن ) العبارة التي تداولها الشباب في كل أنحاء الوطن ..لم يكن مخطئا حقا كان على صواب ..لو لم يكن سيئا ماكان أحد سيعبره أو سيمنحه حقه ..ولمات موت امه وأبيه..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.