أعلان الهيدر


الأربعاء، 13 يونيو 2018

الرئيسية إلَّا تلك الشقراء يا عمر

إلَّا تلك الشقراء يا عمر



حمد حاجي




-- أمي .. قومي هاتي وصية والدي.. أقرأ ما فيها قبل الرحيل ..
أنهى ابنها عمر اغتساله ووضوءه، وخرج يخفي فرح عينيه بمنشفة تتدلى على رأسه، يفرك الماء النازل من أهدابه السوداء ومن غرَّته الطويلة المسدلة بينما أمه وان كانت تنظر لفتوته وطهارة قلبه من مكانها على الكنبة إلا أنها غاضبة حانقة، وكلاهما لم يعد بوسعه أن يخاطب الآخر..
قبل ساعة أنهى مكالمة هاتفية مقتضبة مع صديقته كعادته كل يوم بعد صلاة المغرب يتلقى عدة مكالمات منها والأم كعادتها تتسمع ولكن تكتفي بنظرة مؤنبة ..
هذه المرة لم يجلس عمر ليتمسَّح بها ويقبل يديها وكفوفها.. بل راح يلبس جديد ثيابه ويتعطر بفاخر طيبه وعطوره.. وازداد فزع الأم وارتبك الدمع بعينيها ..وحاولت ان تثني ابنها عن عزمه على الرحيل إليها:
-- تعقل يا عمر..!
قال:
-- واعدتها يا أمي .. لم يعد من الانتظار بد..
وحانت نظرة منه رأى وجهها مكفهرا و عينيها حزينتين دامعتين .. تقدمَّ، عانقها، دفعته قليلا لتقاطعه :
-- وأنا ليس لي سواك.. لمن تتركني؟
ردَّ عمر دون أن يعرف من أين جاء بالشجاعة كلِّها :
-- أنا أحب أن ألقاها.. أمي.. أتفهمين ..؟ أريد أن يختلط جسدي بثراها ودمي بعطرها.. أموت فيها..!
وقفت الام كما لو كانت قد حسمت الحوار مرة واحدة أمام اصرار ابنها..
ولم يكن بفحوى الوصية ما يقلقها.. وإنما خروج عمر صار كخروج الروح من الجسد..
بقلبها تعرف الأم أن خروج ابنها اليوم هو خروج بلا عودة .. رحيل كل منهما من حياة الآخر..
حين قامت إلى غرفة زوجها التي أغلقتها قبل عشرين عاما.. تمدَّد عمر على الكنبة منتظرا سارح البال ..
وما انفكَّ يفكر بحال أمه بغيابه.. ترى ستتقبل رحيله ؟ أو تنتظر عودة جثمانه ..؟
فكَّر وفكَّر حتى انتابته سنة من النوم ..

هاهي الأم تنثر الأثاث. في غرفة تعجّ بالذكريات . وإن كانت تبحث عن الوصية.. فإنها مشدودة إلى أشياء أبيه عليه الرحمة..
تقلب أشياءه... هناك علَّق بندقيته.. وخناجره .. وهنا سجادته و مسبحته ..
وعلى ذلك الرَّف كتبه ومجلاته.. و فوق تلك الطاولة سروج خيوله وعلى جدار الباب المقابل علَّق لكل مهرة لجامها..
وفوق تلك المصطبة أنواع من الحدوات للأفراس.. كم كان يتبرك بها.. قد أهدى الكثير منها لأحبابه ..
متعثرة تبحث..
-- أين وضعتُ الوصية ؟ 
أه.. وأمسكت خرجا ظلَّ يتدلى كل هذا الوقت .. فتحته تبحث عن الوصية.. وجدت مخلاة ..
تلك المخلاة، الوالد بأيام حياته ، شد طرفيها إلى قيد حديدي ذي مفتاح وقفلين ..
فكَّت القيد..وجدت رسالتين .. بالاولى وبخط يديها قرأت:
- هذه لك .. فضيها حبيبتي اقرئيها ..
مرتعدة .. تقرأ ما فيها :
حبيبتي .. ابننا الوحيد عمر اليوم أعزب.. وان لم يتزوج بعد أرجوك لا تبحثي له عن زوجة..
بل .................
وبعد أن أتمت قراءة وصيته..حملت القيد وتأملته جيدا ..
وقفت أمام صورة الزوج الشهيد ..
الزوج بالصورة يبتسم لمهرة بيضاء جامحة مقيدة بذات القيد الحديدي الذي تمسكه ..
خرجت من الغرفة ملتاعة حزينة تحمل القيد الحديدي ذا القفلين والمفتاح .. نظرت إلى عمر مضطجعا على الكنبة مغمض العينين يرقد كالملاك..

نزعت الام المفتاح من القيد وألقته من النافذة و تابعته بالنظر حتى واراه التراب .. وتقدمت نحو ابنها النائم 
كشهيد .. يفوح مسكه وعطره يعم الفضاء.. تأملته بسمة الحور تحوطه .. تفحصت أهدابه الطويلة المقوسة .. كم يشق عليها أن تفارقه .. لقد آلمتها قسوته المفارقة بتلك البساطة والرعونة..
بسرعة لا مثيل لها مدت الام رجلها داخل احدى حلقتي القيد .. كما يفعل زوجها للمهر الجامح ..
وأدخلت رجل ابنها الذي يغط بالنوم في الحلقة الاخرى وضغطت على كل من الرتاجين وأحكمت غلقهما ..
حين أفاق عمر .. 
اكتشف دون أن يقرأ الوصية ..
لن يلاقي الحور هناك ولن يذهب ليفجر نفسه ...!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.