أعلان الهيدر

روابط تهمك..

الثلاثاء، 9 يناير 2018

الرئيسية قراءة في رواية "الغريب" للكاتب نادي جاد

قراءة في رواية "الغريب" للكاتب نادي جاد


بقلم سعاد الزامك



في الماضي كانت البيوت المصرية تعتمد على "السقا" تماما سواء في المدن أو القرى الذي كانت مهمته جلب المياهمن الآبار أو النهر و الترع ثم نقلها بعد ذلك إلى البيوت غنيها و فقيرها ، و كانت الأخلاق و الأمانة هما رأس مال "السقا" الوحيد بالإضافة إلى قربته المصنوعة من جلد الماعز المشدود ، تلك المهنة تميزت على مر العصور المختلفة بالعِشرة و المودة بين صاحبها و المنتفعين من مياهها بالبيوت .
كانت هناك مهن إضافية تلقى على عاتق "السقا" و هي إخماد الحرائق عند حدوثها حيث كانت تؤخذ عليهم التعهدات باستعدادهم لذلك ، فكانوا يهرعون إلى أماكن نشوب الحرائق و يساعدهم في إخمادها كل من استطاع من أهل الحي أو القرية . كذلك يقوم "السقا" برش الأزقة الترابية و الأسواق لتخفيف لظى الصيف ، و يقوم بتوزيع الماء للظمأى من المارة مجانا .
تلك المهنة التي يتوارثها الأبناء عن الآباء و الأجداد كان أجرها زهيد بالكاد يكفي أساسيات المعيشة و ربما لا يكفي ، فكان أهل الخير يمنحونه كسوة جديدة و يقدمون له اللحوم في الأعياد و المناسبات الخاصة .
دائما ما يرددون على لسان الببغاء مقولة " أبوك السقا مات " .. هل مات السقا حقا ؟ لا .. لم يمت ، فمهنة "السقا" ما زالت باقية إلى الآن رغم تنوعها باختلاف العصور . رغم أن صورتها القديمة شارفت على الاندثار إلا أنها قد طرأت عليها بعض التطورات على صعيد ندرتها ، فلم تعد تستخدم القربة الجلدية المتعارف عليها بل استبدلت بوعاء من الألمنيوم حتى يتقبل الناس الشرب منها .
بعد تلك المقدمة التي رأيت أنها ضرورية جدا للقارئ الذي لم يعاصر تلك المهنة أو لم يألفها من شبابنا و أطفالنا ، و الآن فلتسمحوا لي بالبدء في التجوال بكم بين مروج رواية " الغريب " للكاتب و الشاعر / نادي جاد .
" الغريب " عنوان يبدو من الوهلة الاولى سهلا ، فالجميع يعرف مضمون ذلك الاسم و تعريفه ، فهو ذلك القادم على مكان لا ينتمي إليه غنيا كان أم فقيرا ، و لا يختلف مصيره بين سكان البلدة أو القرية إلى أن يشاء الله تغييره سواء كان ذلك الغريب فاعلا أو مفعولا به جراء حدث جلل .
" الغريب " .. اختار الكاتب اسما مُعرفا عنوانا لروايته و لم يتخذه في هيئة نكرة و ذلك يدل على أنه يشير إلى شخص معلوم له ، ربما عايش أحداث قصته بالفعل أو سمعها ، و ربما أراد أن يلمح بشيء ما سيبوح به بين سطور روايته .
قدم الكاتب لروايته باعتذار رقيق يليق بشاعر عن اختيار اسم " الغريب " كعنوان لروايته و هو عنوان تكرر في عدة قصص لكُتاب كثيرين على مدى عصور أدبية مختلفة ، و علل اختياره بأنه كنية بطل روايته و اسم القرية موقع الأحداث بالفعل ، و بذلك وضح سبب تعريف الاسم لأن البطل و القرية معلومين للكاتب بالفعل .
" الشيخ بكري " كما يلقبه سكان قريته و الذي لا يحمل من مؤهلات الشيخ سوى بعض قصار السور و التي حفظها في الصغر على يد عريف الكُتاب . و كان ضيف الشرف في حلقات أذكار القرية ، فيلبي الدعوة ليس من أجل أكل اللحم و الكشك فقط و إنما من أجل أن يغتسل من أتراحه و شقائه بأذكارها . ذلك الشاب الفتي " سقا " الكفر بسيط الحال أو قُل معدوم الحال يملك من الإدراك أيسره ، نستشعر ذلك حينما يسأل عن ( الواحده ال عمالين يتكلموا عنها ) .. فيجيبه أحد الجالسين بدكان " الليثي " صاحب المذياع بأن الحديث عن ( الوحدة مع سوريا ) ، كذلك عندما يسأل أمه ( هي البطة بتتاكل منين يا اما ) عندما استمع لأغنية ( أكلك منين يا بطة ) للمطربة الراحلة صباح . كان كغيره لديه أحلام مشروعة منها شراء راديو و امتلاك أرضا لا تتعدى مساحتها النصف فدان و أكبرها حلم السفر للقاهرة .
عندما ماتت " الحولية " الوحيدة لديه و التي اشتراها من أجل تسمينها و تربيتها ثم بيعها و الشراء بثمنها ما يستر به بدن أمه المُسنة عند موتها دون اللجوء ل " كفن الصدقة " الذي بالكاد يغطي الجسد . كان مشتهاه ستر أمه بكامل جسدهما بعدما شاهد جثمان أبيه و قد ظهرت قدماه من كفن الصدقة . صمت يسير غلف المكان بعد سماعه نبأ موت " الحولية " أعقبه قراره بعقد حلقة ذكر ، ثم ركض ليدعو الذاكرين و الضيوف ، و طلب من أمه اعداد الخروف و عمل الكشك كطعام للذاكرين كعادة أهل قريته .
أثار الكاتب موضوع التلاحم و التعايش بين أبناء القرية و الترابط بطائفتيها " المسيحيون و المسلمون " و هي صفة أصيلة يتمتع بها المجتمع المصري منذ قرون ، و كذلك محاولة الوقيعة بين الطائفتين و إثارة الفتن من آن لآخر . حيث وضح تفاصيل العلاقة بين " بكري " و " الخواجة " ( الخواجة يُطلق على المسيحين و اعتاده الناس بالريف المصري منذ زمن طويل ) . كان " الخواجة " دون سائر سكان الكفر كاتم أسرار " بكري " ، و الذي يقص عليه ما لا يقصه على صديقه " الحلاق " ، كذلك ولّاه تسجيل ما له في كل بيت جراء سقايته . سرد علينا كذلك موقف " الشيخ سليم " من خطيب المسجد عندما اتهم النصارى في خطبة الجمعة بالكُفر ، فنهره " سليم " و حذره من تكرار مثل هذا القول و إلا سيكون مصيره عدم ارتقاء المنبر بعدها .. قائلا : احنا عايشين مع بعض بقالنا ألف سنة و مش عايزين فتن .
( هو أنت غريب ) عبارة تستفذ " بكري " عند سماعها و تدفعه للتفكير في أمر شغل باله و طالما حاول نسيانه ( من هو ؟ أهو سليل هذه الأسرة العريقة التي وفد عميدها إلى القرية منذ مئات السنين ، و اشترى معظم أرضها و صاحب ضريحها " الشيخ الغريب " ، تلك الأسرة التي باع حفيد الغريب نصيبه من الأرض ليصرفه على ملذاته و مغامراته ليورث أبناءه الفقر فاضطروا للعمل بالسقاية ؟ أم ينتمي لغريب آخر وفد للقرية هاربا من الصعيد مطاردا طلبا للثأر ، فعمل بالسقاية و لقبوه بالغريب ليميزوه عن أهلها ؟ لكن أحد معمري القرية كان قد أقسم له بعدم وجود غريب بالقريبة سوى غريب واحد " الشيخ الغريب " ، أما الغريب المطارد ما هو سوى شائعة أطلقتها أسرة الغريب ليدفعوا عنهم خزي الفقر و مهانة العمل بالسقاية .
ذلك الأمر عمق بداخله احساسه بعدم الانتماء للقرية و دعمه عدم امتلاكه لأرض بها ( فالأرض عشق القروي و هي التي ترسخ بذاته كينونته الريفية ) . احساس بغيض يتملكه فهو كما عبر عنه الكاتب بالصفحة ٢٥ ( هو بين الحضر غريب عنهم ، و بين الفلاحين ليس واحدا منهم ) ، يدلل على ذلك الاحساس عبارة " بكري " الأثيرة لديه ( ما تقولش أنا فلاح و طين الأرض مش على رجليك ) .
مهنة السقاية لازمته كظله حتى عندما دفعته رغبته في الانتماء و تملك قطعة أرض للسفر مع عمال التراحيل إلى الوادي الجديد ، حيث ألزمه مسؤول الترحيلة بجلب ( قربته ) معه ، و في المزرعة وضعه أمام الأمر الواقع بأمره بإحضار الماء للجميع ، و كأن السقاية قدره الذي لا فكاك منه .
رغم أن حُسن الخُلق و أدبه الجم و استقامته كانوا صكوك العمل بالسقاية و ولوجه البيوت و الحفاظ على أسرارها و فتياتها ، إلا أنها لم تشفع له في عيون نساء رخيصات . راودته إحداهن يوما فلم يُذعن لغوايتها ، فأطلقت عليه تلك الشائعة الرخيصة و التي نالت من رجولته التي هي أهم مقومات الرجل الشرقي و الريفي بالأخص . أكانت تلك الشائعة السبب في عدم اقباله على الزواج و التفكير به ؟ أم عدم تشجيع أمه على الزواج ( رغم التبكير بزواج الأبناء سواء ذكرا أم أنثى في الريف المصري ) و ذلك للاحتفاظ بوحيدها ؟ أم فقره و عدم اتساع عشته لعروس تحل كضيف ثالث بها ؟ أم تخبط مشاعره بين " زينب " التي رشحتها له أمه و بين " ريم الغضبان " زوجة " الشيخ سليم " على زوجتين كلاهن لم ينجبن و فجأة حملت " ريم " و وضعت طفلا جميلا ؟
تذكر " بكري " تلك الجملة المريرة التي قالها " عبد الفضيل " والد " زينب " يوم دعوته على خطبتها
عبد الفضيل : دانت زين الرجال و ربنا هيشفيك إن شاء الله
بكري : يشفيني ؟!!!! يشفيني ؟!!!!!
راح يكررها و قد أطبقت على صدره ، دوار أطاح بالنخيل البعيد فدار في حلقات سريعة ، نفث الهواء الساخن بالرمال في وجهه صائحا ( أن اصحو أيها الغافل زمنا ) . الآن فقط استوعب أقوالا سمعها و أحداثا مرت به مر الكرام ، تذكر ما حدث يوما على شط الترعة عندما خرجت ثلة من نساء القرية منها ، لما أبصرن رجلا بدأ الهرج و التحذير من إحداهن ، فاستدار ليترك المكان ، عندئذ صرعته كلماتها التي صاحبتها الضحكات منهن ( بلا نيلة ده بكري ) ، و ردت أخرى ( ما تخافوش منه احنا ولايا زي بعض ) . غضب سرى بدمه ، يحرقه ، يأكله ، يدفعه للصراخ و العراك و القتال ، ها هي الحياة تكشف عن وجهها القبيح و تخلع عن الناس أقنعتهم القميئة . نهض صارخا تجاه الكفر ( و الله لأزرع الكفر عيال ) ، ثم أفرغ قربته الحبلى بالماء نكاية بسكان القرية . سار على غير هدى حتى طاف بالمقابر فتوقف أمام مقبرة الصدقة حيث يرقد والده ، شرع في قراءة الفاتحة التي لم يستطع إكمالها ، فغادر هائما في الحقول .
توجه لدار " عبد الفضيل " في الموعد المحدد ليحضر خطبة ابنته ، شاهد " زينب " بثوبها الأبيض ، تساءل فأخبروه بقرارهم بعقد القران بذات الليلة ، من هول المفاجأة هم بالانصراف بعد تقديم التهنئة ببالغ الصعوبة . بات ليلته يحدق في الظلام تارة و في النجوم تارة أخرى ، تلاحقه الصور و الأصوات ( هو أنت غريب ؟ .... ما تخافوش ده بكري .... ربنا يشفيك ) .
في الصباح خرج و رأسه تكاد تلاصق صدره ، و قد ثقلت عليه قربته لأول مرة منذ أن حملها ، نظر إلى قريته كزائر حط عليها للتو . لأول مرة تلهب الرمال قدميه المشققتين ، لأول مرة تجلده الشمس بسياط نيرانها ، لأول مرة يشعر بالفراغ اللا متناه بالنسبة لضآلة حجمه . لأول مرة يلفت انتباهه ضريح " الشيخ الغريب " ، يسمعه يناديه ( تعال يا بكري .. كفاية كده يا ابني .. انت ما لكش في الكفر حاجة .. انت غريب يا بكري ) .
غاب الوعي بالزمان و المكان ، و تناثرت الذكريات أمام عينيه حتى أحكمت الحلقة حوله فلم يملك فرارا و لا فكاكا منها . ها هي بأنوثتها المتفجرة و جاذبيتها الناعمة تفتح له الأبواب ، تأذن له بالدخول ، تُفسح الطُرق ، تخبره بغياب زوجها ببلدة أخرى ، شيء بداخله دفعه للاستجابة . يسارع بالانصراف ، " ريم " تلاحقه و هي تكمل ارتداء ملابسها ، تناديه محذرة ( الكلام معناه الموت .. فاهم .. و حتى لو قلت ما فيش حد هيصدقك ) ، ذكرياته التعسة مع أخيها تلاحقه ، فيجذبها إلى الداخل مرة أخرى ليعيد الكرة ، تدعي عدم الرغبة بدلال زاده نشوة فأفرغ رغبته من جديد .
يعود لداره ، يغتسل ، يرتدي جلبابه الوحيد و يأوي لجميزته الحبيبة ، يبتسم ، يتجهم ، يستغفر ، ثم يتأوه لاعنا إياها . أثناء صلاة العشاء شعر برعشة تزلزله ، انسحب من بين المصليين ، و أسرع بالخروج كعبد آبق . بعد رحلة ليست بالقصيرة من خيالات و ذكريات آوى إلى مقام " الشيخ الغريب " ، و نام ، استيقظ ليواصل شروده بالحقول حتى وصل إلى رجلين يشربان الشاي و يتسامران ، عقدت الدهشة لسانيهما من صمت " بكري " . نفحه أحدهما ورقة نقدية ، ابتعد " بكري " قليلا ، ثم أفلتها من بين أصابعه ، طارت الورقة ، عاد مسرعا بينما يتساءل عن سبب إقدامه على ذلك التصرف الغريب ، و هل فعله بوعي كامل أم باللا وعي ؟ أكان السبب في فعلته المشينة أن " الشيخ سليم " هو والد " عبد الله " الذي أهانه في طفولته و عيره بفقره بخلع سرواله أمام كل الصبية في الكتاب ؟ أم أنه ارتكب إثما في حق "الشيخ سليم" ( زوج ريم ) فجاء إليه ليقبل قدمه معتذرا ؟
ذكريات .. ذكريات .. ذكريات ، أمواج هادرة ، عواصف ضارية ، دوامات فتاكة ابتلعته حيث لا مكان لحياة و موت و لا وجود لحب و بغض و لا مكان ليأس و أمل .
ركضت " هاجر " الأم المكلومة إلى المقابر حين خبروها بمكان " بكري " كطائر ذبيح مرددة ( انت غلبان يا بكري .. دا انت بتاع ربنا ) ، و قد عصتها الدموع و تقطعت أنفاسها حتى وصلت إليه . لما شاهدته بتلك الحالة هطل الدمع مدرارا و سألته ( أنا مين يا بكري ؟) حملق و لم يرد ، قايضت الغضب بالدموع ، و صرخت على باب مقام الغريب ( اخترته يا شيخ غريب ؟ ما لقتش إلا بكري الغلبان ؟) . ثم عادت إلى وحيدها ، جلست و أسندت رأسه على صدرها ، استسلم كطفل يداعبه النعاس ، و قد احتلت ابتسامة الاستسلام ملامحه .
عادت الأم للسقاية لإعالة ابنها الضائع في شروده فلا تعاوده حالة الصحو إلا نادرا ، و القابع عند مقام الشيخ الغريب و قد شيبته ذكريات تلك الليلة و احساسه بالإثم المبين . عاودته نوبة صحوة أخيرة فتذكر ليلة الحريق الكبير الذي بسببه أطلقوا عليه " الشيخ بكري " .
استيقظت القرية على فاجعتين حيث ماتت " ريم " بعد إجراء جراحة عاجلة بيومين ، و قد شرد بعدها الشيخ الموقر حتى عن عبارات العزاء ، و قد منع ( على غير المألوف ) أي انسان من دخول الغرفة التي سُجي فيها جثمانها ، و قام بتجهيزها بنفسه مع زوجة أخيها " عبد الله " فقط . و الثانية اكتشاف جثمان بكري في الترعة المجاورة لمقام الشيخ الغريب ، و قد ران صمت الموت و وشايات الشك و علامات التعجب و ثورة الاستفهام خلف الجدران المغلقة ( هل هي الصدفة و تدبير القدر أم هو الغدر و فعل البشر ؟ ) تربط بين الفاجعتين .
هل كان البطل غريبا بالفعل أم يعاني من اغتراب مادي أو معنوي ؟ هل " بكري " غريب بالفعل عن تلك القرية التي يعيش بها أم أنه يشعر بالاغتراب الناتج من شعوره بالعزلة و الضياع و الوحدة و عدم الانتماء مما زرع بنفسه عدم الثقة و الاحساس بالقلق و العدوان و رفض القيم و المعايير الاجتماعية و الاغتراب عن الحياة الأسرية و المعاناة من الضغوط النفسية .. ما أصعبه من سؤال جال بذهني أثناء قراءتي لرواية " الغريب " .
أصدقكم القول بأني لم أتعجل الإجابة على ذاك السؤال و تمهلت إلى حين الانتهاء من القراءة ، فرحت أمشط بين الأحداث و أنقب بين السطور حتى أتممتها .
" بكري " ذلك الشاب الثلاثيني كان يشعر بالاغتراب النفسي بكل ما يحمله من ضياع و وحدة برغم انخراطه وسط سكان قريته بكل طوائفهم بحكم مهنته ك " سقا " مما أدى لبلوغه الحد الأقصى من عدم الثقة بنفسه فألزمه القلق الدائم من قادم مجهول . كل ذلك دفعه للسقوط في دوامة الضغوط النفسية المتعددة و التي دفعته لتلك النهاية المؤسفة و المتوقعة لعلماء النفس لصاحب تلك الشخصية إن تفحلت مشاعرهم السلبية بالاغتراب و إن كانت تلك النهاية مباغتة للقارئ .
الخاتمة
١. نجح الكاتب في وصف تفاصيل شخوص روايته من حيث الملامح الريفية و الخصال و الأفعال و الأقوال .. فمثلا عندما رغب في وصف البطل كتب ( كان وجهه كصفحة البحر يتغير لونه بتبدل حاله .. فهو أسود مهموم .. و أزرق مكدود .. و أبيض في لحظات الصفو خاصة بعد أن يفرغ من صلاته ) . و هنا نرى أنه استخدم ما يشير للريف سواء ( البحر .. و المقصود به الترعة أو النهر حسب القرية ) ، أسود ( رمز إلى الأرض السمراء ) ، أزرق ( رمز إلى السماء الصافية ) ، و أبيض ( رمز للصفاء النفسي و قد استخدمه بحرفية بتحديده لوقت الصلاة ) .
٢. الكاتب روايته ببعض الأشعار و الأغاني المتداولة بالريف المصري فمثلا كتب في تقدمته
ما أحمق – ما أحمق
أن نركض مثل جوادٍ
قد ركب الريحْ
تدفعهُ سياطُ الفارسِ
للمجهول
لا يسأل أين و لماذا
لا يُنسب مجدٌ لجوادٍ
فالمجدُ نصيب الفرسانْ
و ها هو " بكري " قد ركض كجواد أنهكه سياط الغربة و الاغتراب و الأقاويل ، فإلى أين دفعته تلك السياط ؟ إلى مجد سعى إليه و لو بمخيلته ؟ أم إلى زوال شموس رغباته و أحلامه الصرعى أسفل مخالب الفقر الذي توارثه عن أسلافه " السقاءين " بتلك القرية الوادعة ؟
٣. استخدم الكاتب مفردات بسيطة و سلسة و حوارات عامية تتواءم مع بساطة القرويين بالريف المصري الواقع أغلب سكانه تحت عباءة الجهل و الأمية .
٤. جاءت النهاية مباغتة للقارئ و بحبكة درامية كبيرة حينما نتساءل كأهل القرية هل هناك علاقة بين الفاجعتين ، و بتلك النهاية المفتوحة التي ترسخ مبدأ الثواب و العقاب الإلاهي في الدنيا قبل الآخرة و الذي لا يختلف في كل الديانات السماوية . ها هو بكري لم يحتمل جريرة ذنبه حين ضعف تحت إغراءات ريم و حقده الدفين على عبد الله منذ طفولته ، فشرد بين الحاضر و الماضي ، و الخير و الشر ، منبوذا بين ذكرياته إلى أن وافته المنية بين عشية و ضحاها .
٥. و أعود أخيرا لعنوان الرواية " الغريب " ذلك الاسم المعرف الذي أثار تساؤلات كثيرة بذهني لأستخلص منه نتيجة محزنة ( بأن كل منا في واقعنا يعرف ذلك الغريب جيدا سواء عايش من ينطبق عليه صفاته و مشاكله ، أو أننا جميعا غرباء في مجتمعات تُعزز فينا الشعور بالاغتراب النفسي أو المجتمعي ) .
هناك ملحوظتان أرجو أن يتقبلهما أستاذ نادي حيث أنهما لم يعيبا روعة الرواية على الإطلاق و لكني رغبت في اكتمال الروعة . الأولى سرد الرواية بأكملها دون تقسيمها إلى فصول مما أحدث شيئا من التشويش على القارئ في متابعة الأحداث ، الثانية خطأ غير مقصود بالتأكيد في الصفحات ٦٨:٧٠ حيث دخل البطل لصلاة العشاء و بعد خروجه اجتاحته الذكريات أثناء سيره في الحقول ، ثم نام أسفل صفصافة ليستيقظ وقت الغروب .. هل نام يوما كاملا تقريبا من بعد العشاء إلى مغيب شمس اليوم التالي ؟ أم حدث خطأ في توقيت الحدث ؟
تحياتي للروائي الرائع أستاذ / نادي جاد الذي طرح علينا مشاكل مجتمعية يعاني منها ريفنا الجميل في رواية تزخر بالمعاني و القيم و الجمال ، حقا تلك رواية تفخر بها المكتبة العربية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.