أعلان الهيدر

السبت، 4 أغسطس 2018

صرخات للبيع


حمد حاجي
بدأت أيام العام، بيوم خميس أسود .. ينثر صمته على المدن والقرى بالبلاد..
الصمت المطبق لا يفتأ يهدأ ثمَّ يجتاح كبرى المدن ..
مدن الكاف صامتة، القرى بالقصرين ساهمة.. الساحل لا صدى.. صمت كما قبل اجتياح العاصفة..
إلا تلك القرية ( ماجل بلعباس).. النائمة على صخرة جوعها.. والتي لم يفكر أهلها قط بالخروج عن الحاكم أو نظام القبيلة.. 
قرية تبدأ منها الحكاية .. 
كان ثمة شاب وشابة يعملان بالتجارة ..يأتي إليهما جمع القرويين من كل صوب و حدب ..
هذه تبتاع صرخة عند الولادة وتلك تشتري كلمات لتفاوض بها مكر حماتها، والأخرى تودُّ زفرة لتأنيب زوجها حين عودته سكران متأخرا.. وناهيك عن تلك التي ثكلت زوجها تظلُّ تقلب التنهيدات المعروضة حتى تعثرعلى واحدة .. تجرِّبها.. ثم تستقرَّ تنهيدة بحنجرتها تستعملها في الأعراس لتُبْدِيَ اخلاصها أمام أهل العريسيْن ..
وبكثير من الأحيان كانا يبيعان صرخة واحدة لجمع من النسوة .. تلك النائحات اللاتي يعددن مناقب الميتين..
وكثيرمن الرجال يساومون على تنهيدة حميمية .. كما حبَّة الفيقرا.. يلفُّونها تحت اللسان حتى إذا عادوا أطلقوها بكل الفحولة اللازمة حين مضاجعة زوجاتهم..
وبعض من الرجال، الأكثر همَّة يمكنون زوجاتهم من حشرجة أثناء اعطائهن بعض حقوقهنَّ..
وثلة من النساء يربشن في الكدس ويسرقن زفرة أو زفرتين شبقيتين في غفلة البائعين..
وبالرغم من ذلك، كانت تجارتهما رابحة مع المتسولين وتكثر طلبيات الصراخ من الباعة المتجولين،
والسبَّاكين وبائعي الأثاث القديم .. 
والحق يقال إن الشابيْن لا يضيرهما أن أناسًا كثيرين يساومونهما في السعر ويطلبون تخفيضاتٍ.
فليس من يشتري صرخة حين تضيع بغلته بالأسواق، كمن يبتاع قهقهة للسخرية..
ازدهرت تجارتهما.. ومع ذلك لم يفكرا في بيع الصرخات المستعملة.. كلها جديدة على قياس كل فرد .. والذي يخرج من السلعة من تنهيدات وصرخات وتنهيدات لا يردُّ ولا يعاد..
فبينما يرفض الشاب ما يعرضه الشاري أو الشارية كانت الفتاة تقبل دومًا وهكذا تمكنا من بيع أكثر الصيحات..
و كما السلع بالأسواق يأتي حين من الدهر فتمرّ بالكساد ظلت عندهما تجارة كاسدة لبيع كلمات تصلح هتافات وشعارات وعناوين كتب أو قصص أوأفكار ثورية أو زائفة... لكن أمل الشابين لم يخب قط في بيع شعارات للساسة.العابرين وهم كثيرون .
فحتى وان ظلت القرية .. نائمة على صخرة جوعها.. 
فانّ أهلها لم يفكروا قط بشراء صرخات أو تنهيدات حين الخروج عن الحاكم أو نظام القبيلة.. 
حتى جاء اليوم الذي تحدثت عنه إذاعة (هنا قفصة).. ما عرف فيما بعد بثورة الخبز..
إنه لم يكن معروفا شيئا عن صراخ المعارضة..
وحتى سماع الاحتجاجٍ على ظروف المعيشة، لم يكن ليعرف لولا منع المتجول و حظرالتجوال أومنع تعليق الملصقات أو الكتابةِ حتى على حيطان المدرسة (إذ يعدُّ تحت طائلةِ الجرم الكبير والتهديد للأمن )..
جمع الشابان مبلغا كبيرا من صرخات العامة وثروة طائلة من تنهيدات المحرومين..
فكَّرا في كساد صرخات الاحتجاج .. وهبوط قيمة الصدى..
وكي يكونا قدوة لمن بعدهما قرّرا أن يقوما بنفسيهما بإطلاق صرخات الثورة وأن يستعملا تلك الصرخات والتنهيدات مكتومة هذه المرة بكتابتها على الحيطان .. فكَّرا وفكَّرا وتدبَّرا..
قالت الشابة: 
- السياسة كما العادة تبدأ، ولا تنتهي، و كأنها إدمان على اليانصيب أوخسارة وربح في لعبة الورق.. لن نخسر شيئا..
نبدأ نحن بالسرية التامة بكتابة الشعارات المناهضة للنظام على الجدران .. حتى يتعود الناس .. ثمَّ نبدأ في بيع تلك الشعارات ولن تكسد تجارتنا هذه المرّة أبدا .. !
هكذا حدَّثته رفيقته حين أفشى حبِّه لعينيها..
وكي تُخفي إعجابها لمَّا لامس كفَّيها وهو يُمسك من يديها عدَّة الكتابة وأدوات الدهن والطلاء..
بادرته على استحياء:
نكمل حديثنا .. قبالة حائط مركز الحراس.. نراقب المكان سويا .. أنا أكتب شعاراتي على حائط دار الشعب .. وتتمُّ أنت المهمة على حائط بناية مركز الحراسة..
. ولتنظر إلى الواجهات بإنتباه، ولا ترهب من عربة الجيب الرابضة عند تقاطع الطرق . ولا تخش الحراس المدججين بالسلاح .. لا بدَّ أن تتقدمُ بلا مبالاةٍ , وتكتب الشعارات المناهضة للنظام .. حتى إذا ما عُدتَ لترى ما كتبت من جديد، هناك فقط تتخذ الحيطة اللازمة .. فلا تنظر أبداً إلى الخطوط المرسومة على الحائط إلا من الرصيف المقابل و بطريقةٍ لامحة، كما لو كان إهتمامكَ ينصبُ على الواجهةِ المحاذية.. فقط ، امضِ بسرعة، لا تتمهلُ في المكان.
لكن دبَّ الخلاف بينهما بالتنظيم، إذ يروق له أن يسيطر على خوفه، بأن يختار المكان المناسب والساعةَ المناسبة للرسم أو الكتابة على الجدار..
مهمته بالكتابة تبدأ بعد مشاهدةِ وصولِ شاحنةِ البلدية وسماعِ شتائم الموظفين أثناء انكبابهم على إزالة تلك الكتابة التي وثقتها رفيقته.

فهؤلاء لا يهمهم فحوى المرسوم، ولا من أيةِ جهةٍ من اليمين يأتي الكاتبون او من اليسار. 
أو حتى من أجل من ؟ 
عمَّال البلدية هم وحدهم المحتجون بقريتهما..
وفي طرف من القرية حيث الفسقية يعيش مجنون القرية منفردا كالشاة كان ، 
تتحرك عربات البوليس تلقي القبض عليه .. 
وشوهد تصوره الشرطة وهو يُلقي نظرةً عابرةً على الرسم ، ويتفحص ما كتب ويتلمس و يتشمّم الدهن
كما لو كان يعيد التمثيل على مسرح الجريمة..
وها هو يتثبت بالعبارةَ : " خبز وماء والظلم لا ". 
فيما تصوره كاميرات الشرطة نفسها.. بصمت الجريمة..
وتعلق الإذاعات عن أثر العبارة المكتوبة على الحائط في ذائقة المواطنين ..
ويتحدث رجال البصمات عن نوعية الخط .. 
ويثرثر كبار الساسة عن فحوى الرسائل المارقة.. والأيادي العابثة..
بناحية غير بعيدة ..نجح الشابان في اقتناص لحظة الحب..
وبغرام منقطع كبير ..نجحت صرخات لم يشترها أحد في الثورة على حكم الجنرالات والطغاة. ..
فيما كانت تمسكه من يده ..وترتمي بحضنه .. وظلَّ يقبلها .. وظلت ترسم بقع أحمر شفتيها على رقبته ؛
بدت عليهما الحيرة،
لقد نسي البائعان..
أن يخبئا لنفسيهما صرخة وزفرة وتنهيدة لمثل هذه اللحظة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.